قدرته سبحانه وتعالى أن جعل البحر المتلاطم الأمواج قد مسخراً للركوب فيه والغوص في أعماقه لاصطياد أسماكه وحيواناته البحرية واستخراج الجواهر الثمينة كاللؤلؤ والمرجان، ونرى السفن العظيمة تشق عباب البحر جارية فيه، وهي تعمل الأمتعة والأقوات كما سخر البحر لتبتغوا بما ذكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معاشكم بالتجارة ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل أفضاله .

والآية الكريمة تؤكد ذلك كما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) النحل:14، كما بيَّن الله قدرته وحكمته بأن ذلل البحر رغم ضخامته وعظمته لتجري السفن على سطحه بمشيئته، وإرادته دون أن تغوص في أعماقه، حيث سيرها على وجه الماء ولأن جريها في البحر لا صنع للبشرية فيه: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) الرحمن:24، تشبه الجبال في اليابسة لضخامتها بما تحمل من أرزاق ومكاسب ومتاجر من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى آخر، حيث يقول تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الجاثية:12·

ومن عظيم قدرته سبحانه وتعالى أن يلتقي البحر الحلو مع البحر المالح وبينهما حاجز دون أن يمتزج أحدهما بالآخر ويطغى عليه ويقول ابن كثير في تفسيره: إن الماء المالح هو البحر والماء الحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس والبرزخ هو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر، حيث يقول تعالى: (مرج البحرين يلتقيان· بينهما برزخ لا يبغيان) الرحمن: 19 ـ 20·

كما تأتي الأهمية الدينية بأن الله تعالى جعلها مأمناً للأنبياء من الطغاة والكافرين عندما أوحى الله سبحانه وتعالى إلى أم موسى أن تلقيه في البحر بعد أن ترضعه وسوف يرده الله سبحانه وتعالى إلى أمه ويكون من المرسلين: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) القصص:7·

كما جعله مأمناً لموسى عليه السلام عندما لحقه فرعون وجنود (فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً) طه:77، وفي الوقت نفسه كان عقوبة لفرعون وجنوده وغشيهم من الأهوال مالا يعلم كنهه إلا الله عند الغرق: (فاتبعهم فرعون وبجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم) طه:78· وفي آية أخرى: (ثم لننسفنه في اليم نسفاً) طه:97، أي لنحرقنه بالنار ثم لنطيرنه رماداً في البحر لا يبقى منه عين ولا أثر·

وكذلك قصة نبي الله يونس عندما لبث في بطن الحوت في البحر فهو عوقب من الله سبحانه وتعالى وهو مأمن لنبي الله يونس في الوقت نفسه وتلك قدرة الله·

وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: >هو الطهور ماؤه، الحل ميتته<، وقد جعله الله تعالى ملحاً أجاجاً زعافاً لتمام مصالح من هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، وهو كثير الحيوان فهو يموت فيه ولا يغير فلو كان حلواً لأنتن من إقامته·

ولو ألقيت فيه كل جيف العالم وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئاً لا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يطوي الله العالم، فهذا هو السبب الفاني الموجب لملوحته، وأما السبب الفاعلي فتكون أرضه سبخة مالحة وبعد، فالاغتسال فيه نافع من آفات كثيرة قد تصيب الجلد وبشرته لكنه مضر أحياناً فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخة وعطشا ومن اضطر إلى شربه فله طرق عدة علاجية أن يجعل الماء في قدر، ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منقوش، ويوقد تحت القدر حتى يرتفع البخار إلى الصوف، فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ذلك حتى يجمع ما يريد، فيحصل في الصوف من البخار ماء عذب ويبقى في القدر الزعاف(4)، وهناك وسائل حديثة لتنقية ماء البحر وتحليته وتحليله·

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: