موضوع علمي لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

أيها الإخوة المؤمنون… أحد علماء البحار كان يركب مركبة أبحاثٍ تحت سطح الماء، لفت نظره أن سمكةً كبيرةً خرجت من سربها، واتجهت إلى سمكةٍ صغيرة، فتصوَّر كما هي العادة أن هذه السمكة الكبيرة توجَّهت إلى الصغيرة لتأكلها، ولكنه وجد أنها وقفت إلى جانبها، وبدأت السمكة الصغيرة تأكل من حراشف الكبيرة، سجَّل عنده هذه الظاهرة.

بعد عشرة أعوامٍ تقريباً اكتشفت حقيقةٌ مذهلة وهي: أن هذه السمكة الصغيرة متخصصةٌ في علاج أمراض الأسماك كلِّها، وكأن عهداً وميثاقاً غير مكتوبٍ بين أسماك البحر، يقرر أن هذه السمكة الصغيرة، المتخصصة بمداواة أمراض السمك الخارجية، لا ينبغي أن تؤكل، لذلك أجريت بحوثٌ كثيرة، وتتبع العلماء مواطن هذا السمك، الذي أعطوه اسماً خاصاً، هذا السمك متخصصٌ بكل الأمراض التي تتوضع على حراشف الأسماك الكبيرة..

جعل الله عزَّ وجل غذاءه على التقرُّحات، والإنتانات، والطفيليات، والفطريات، التي تتوضع على حراشف الأسماك الكبيرة، فالأسماك الكبيرة تتجه إليها لتعالجها من أمراضها، وكأن هناك عُرفاً وامتناناً، بل إن بعض الحالات الغريبة، التي سجِّلت وصورت، أن سمكةً كبيرة كانت تشكو قرحةً في فمها، فتحت لها فمها ودخلت هذه السمكة الممرضة آمنةً مطمئنةً، لتعالجها من هذه القروح، وفي الوقت نفسه هاجمت هذه السمكة ـ التي تعالج ـ سمكةً أكبر منها لتأكلها، فما كان منها إلا أن أخرجت من فمها هذه السمكة التي تمرِّضها، وولت هاربةً.

ما هذا العرف ؟ وما هذا العقد ؟ وما هذا الميثاق ؟ وما هذا القانون الذي هو مطبقٌ في كل أنحاء البحار ؟ أن هذه السمكة التي خلقها الله، مزوّدةً بمنقارٍ دقيقً دقيق يصل إلى أدق الثنايا، وأن هذه السمكة جهازها الهضمي يتقبَّل الفطريات، والتقرحات، والإنتانات، وما شاكل ذلك، وهو غذاءٌ لها، وأن هذه الأسماك الكبيرة تتجه إليها حينما تشكوا من تقرحاتٍ، بسبب ما يحدث بين الأسماك من إحتكاك، أو من معارك أحياناً.

الشيء الذي يلفت النظر، أنه إذا كثرت هذه الأسماك أمام السمكة الصغيرة، صففت وراء بعضها بعضا، وكأنها مجتمعٌ متحضر ؛ ليس هناك ازدحام، ولا تزاحم، ولا تدافع، ولا سباب، وقفت هذه الأسماك الكبيرة، وقد سجِّلت هذه الصورة بضعة عشرات من الأسماك، تقف وراء بعضها بعضاً، تنتظر دورها في المعالجة، وقد تستغرق المعالجة دقيقةٌ أو أكثر، وتنصرف إلى حال سبيلها.

يا أيهاالإخوة المؤمنون… هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه، مليون نوع من السمك، من أعلمهم جميعاً أن هذه لا تؤكل، هذه لا يعتدى عليها، هذه تقوم بمهمةٍ إنسانية، من أعلمها ؟ هل هذه الأسماك عاقلة ؟

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

( سورة طه )

أيها الإخوة المؤمنون… تفكروا في خلق السماوات والأرض، فهو باب كبير تتعرفون إلى الله من خلاله، تفكَّروا، دققوا، لا يأكل أحدنا الطعام كما يأكل عامة الناس، فكِّر في طعامك، فكِّر في شرابك، فكر في حاجاتك، من سخرها لك ؟ من جعلها متوافرةً أمامك ؟ اللهم أرنا نعمك بكثرتها لا بزوالها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: