مقاله أعجبتني أحببت أن تشاركوني قرائتها .

المصدرالبيان الإماراتية : عائشة سلطان
sultan@dmi.gov.ae

ذكرتني أزمة السمك في الإمارات بجملة أشياء أولها قول الشاعر والمفكر اللبناني جبران خليل جبران: «ويل لأمة لا تأكل مما تزرع، ولا تلبس مما تحيك، ولا تشرب مما تعصر»، ويل لأمة تجعل قوتها في يد غيرها، وتعتمد عليه في كل شيء..

هذا أول ما خطر على بالي، فكيف بنا ونحن أبناء الخليج، المنتشرون على سواحله، القاطنون عمقه وأرضه وتاريخه، والذين لا يلذ لنا طعام بلا سمك، ولا نعتبر الوجبة وجبة إذا لم يزينها السمك، كيف يؤول أمرنا إلى هذا الحد، الحد الذي يتحكم فيه الآسيويون في تجارة وبيع السمك، الحد الذي يصرخ فيه الصيادون المواطنون: ارحمونا من سيطرة الآسيويين؟!

ذكرتني أزمة السمك، بيوتنا وأهلنا إلى سنوات قريبة، حيث لا وجود لسمك مثلج في المنزل، فالسمك يأتي طازجاً كل يوم، يحمله الأب أو الجد أو الشقيق الأكبر أو امرأة ما في الحي تتكفل أحياناً بتزويد بعض البيوت بالسمك الطازج يومياً.

ووحده يوم الجمعة كان يشهد وجود وجبة أخرى لطعام آخر اسمه اللحم، وغالباً ما كان الكثير من أفراد البيت لا يحبذون هذه الوجبة فتردد جدتي «هؤلاء عيال البحر، عيال السمك»!

اليوم تسخر أمي من أطفال العائلة فتردد «أطفال اليوم لا يحبون أكل أهلهم، إنهم عيال الهامبورجر»!!

وتذكرني أزمة السمك، وشحه، وعدم وجوده في أسواق مختلفة من مدن الدولة بأسواق السمك قديماً، وبسوق السمك في ديرة تحديداً، حيث شكل لمخيلة الأطفال عالماً من التفاصيل والمعلومات والوجوه والسلوكيات، وبالنسبة لي ما زال سوق السمك يشدني لأيام امتلأت فيها ذاكرتي بوجوه قديمة لنسوة امتهن بيع الأسماك وأشياء صغيرة أخرى.

. وما زلت حتى اللحظة أتذكر أسماءهن ووجوههن المختبئة دوماً خلف البراقع السوداء، وأيديهن الناحلة وأصواتهن الحادة الحازمة التي تعلمت الحزم هناك في عالم البيع والشراء في سوق السمك!

ذات يوم كانت نسوة معروفات لدينا نحن أهالي ديرة، يبعن السمك كما الرجال، بقوة وكفاءة واقتدار واحترام، كن يعلن أسراً، ويربين أطفالاً، يساعدن الزوج ويتحاملن على تلك المداخيل البسيطة لتمرير أيام الحياة الصعبة، دون أن ينافسهن أي آسيوي.

. مع أن الحياة لم تكن سهلة يوماً، لكن كل صعوبات ذلك العالم كانت تذوب في طرقاته ودهاليزه.. لم تكن هناك صحف ولا إعلام ينقل المعاناة أو يسلط الضوء على صراعات ذلك العالم!

اليوم اختلف كل شيء.. وانتهى الصيادون إلى وضع يحسدون عليه. فالمهنة قد اختطفت بشكل كامل منهم ولصالح العمالة الآسيوية كما اختطُت أشياء كثيرة لا تعد ولا تحصى.. وقبل أن نتبادل الاتهامات من اختطف ممن؟ وكيف ولماذا ومن المسؤول؟

دعونا نسأل عن دور الحكومة في الوقوف إلى جانب الصيادين؟ دعونا نطلب جردة حساب لما فعلته وزارة الزراعة والثروة السمكية للصيادين وما فعلته جمعية الصيادين، وما فعله الصيادون المواطنون لأنفسهم لنعرف ذلك بالتفصيل قبل أن نلقي التهم على العمالة الآسيوية التي تعمل بمنطق السوق!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: